ابن أبي مخرمة

388

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

مقيدا . . جهز المأمون من خراسان طاهر بن الحسين المذكور لمحاربة ابن ماهان المذكور ، فالتقيا ، وكسر ابن ماهان المذكور ، ثم جهز الأمين جيشا آخر ، فكسرهم طاهر أيضا ، ثم تقدم إلى بغداد ، وحاصر الأمين بها سنة إلى أن ظفر به وقتله ، وأرسل برأسه إلى المأمون ، فكان من أكبر أعوان المأمون ، وكان المأمون يرعى خدمته ومناصحته ، وكان أديبا شجاعا جوادا ممدحا . ركب مرة ببغداد في حراقة ، فاعترضه مقدس بن صيفي الشاعر وقال : أيها الأمير ؛ أرأيت أن تسمع مني أبياتا ، فقال : قل ، فأنشد : [ من المتقارب ] عجبت لحرّاقة ابن الحسين * لا غرقت كيف لا تغرق وبحران من فوقها واحد * وآخر من تحتها مطبق وأعجب من ذاك أعوادها * وقد مسّها كيف لا تورق فأعطاه طاهر على هذه الثلاثة الأبيات ثلاثة آلاف درهم وقال له : زدنا حتى نزيدك ، فقال : حسبي . وتواعد طاهر المذكور بالقتل الكاتب خالد بن جيلويه - بجيم ومثناتين آخر الحروف ، كحمدويه - فبذل له خالد من المال شيئا كثيرا ، فلم يقبله ، فقال خالد : قد قلت شيئا فاسمعه ، ثم شأنك وما أردت ، فقال طاهر - وكان يعجبه الشعر - : قل ، فقال : [ من الكامل ] زعموا بأن الصقر صادف مرة * عصفور برّ ساقه المقدور فتكلم العصفور فوق جناحه * والصقر منقضّ عليه يطير ما كنت يا هذا لمثلك لقمة * ولئن شويت فإنني لحقير فتهاون الصقر المدلّ بنفسه * كرما فأفلت ذلك العصفور فقال طاهر : أحسنت ، وعفا عنه ، وهذه الأبيات قد تقدمت في ترجمة هشام بن عبد الملك لبعض أولاد الأعراب « 1 » . يروى أن إسماعيل بن جرير كان مداحا لطاهر بن الحسين المذكور ، فقيل له : إنه يسرق الشعر يمدحك به ، فألزمه أن يذمه بأبيات ، فاستعفاه فلم يعفه ، فقال : [ من الوافر ] رأيتك لا ترى إلا بعين * وعينك لا ترى إلا قليلا

--> ( 1 ) انظر ( 2 / 79 ) .